لقد ذكرت من قبل -كما ذكر كثير غيري- أن وادي رابغ لم يعمر إلا بعد تحول سيل الجحفة إليه، ولكن هذا لا يعني أنه لم يوجد وادي لرابغ قبل ذلك- كما قد يظنه البعض- بل وادي رابغ كان موجودا من قبل ومن قديم الزمان، وله روافد تسيل عليه وليس لها منفذ سواه، وهي النويبع والبحيرة والخمص، وغيرها من الشعاب الصغيرة، فهذه الأودية والشعاب كانت تصب في وادي رابغ من قديم، وهي من أسباب حياته ومعرفته في الزمان الأول، إلا إن هذه الروافد كانت ضعيفة ويرجع ضعفها لأسباب منها:
1- قربها من رابغ ، وهذا القرب يؤثر على أي وادي؛ لأن السيل كلما كان من بعيد كان نفعهأعظم،لأنه سيمر على أراضي كثيرة وسيحمل منافع ومواد خصبة، ونباتات جديدة، لا تتحقق مع لقرب .
2- أن هذه الروافد شحيحة الأمطار- هذا سنة كونية وإلا فالمطر علمه عند الله- فهي لا تمطر كل سنة، بل نقل بالتواتر أن بعضها يمكث سنين طويلة لا يأتيها المطر .
3- أن هذه الأودية والشعاب واسعة الأرجاء – وليست محصورة بين جبلين تحضن الماء- مما يجعل الماء يأخذ يمينا وشمالاً، ولا يصل إلى رابغ منه إلا اليسير جدا .
وخلاصة القول إن وادي رابغ من حيث النشأة قديم، لكنه لم يزدهر، ولم يحيا حق الحياة، إلا بعد أن تحولت إليه الأودية الكبار، التي تأتي من مسافات بعيدة، كوادي مر، وحجر، وندا، وغيرها ، والتي شاء الله أن لا تتخلف عنها الأمطار كثيرا، فأصبح وادي رابغ بعد ذلك يأتيه السيل كل سنة تقريباً، إلا ما ندر لأنه إن تخلف سيل أحد الأودية أتاه سيل الوادي الآخر، وقد يأتي في السنة الواحدة ىسيول عديدة، حتى أصبح بسبب ذلك من أخصب الأودية أرضاً، وأدومها خضرة، وأوفرها ماء،فارتاده الناس من كل مكان وعمروه وسكنوا حوله من كل جهة .
وبقي الوادي على ذلك الحال إلى هذا اليوم.
ولكن السؤال المطروح في هذه الأيام هو(هل سيؤثر السد الجديد على حياة الوادي؟ وهل صحيح أن الوادي سيموت نهائياً؟ وهل وهل؟) أسئلة كثيرة تتردد على ألسنة الناس المهتمين بشؤون مدينتهم .
والذي اعتقده بعد بحث كثير ومساءلة أهل الخبرة- والله أعلم بما يكون- أن الحال يكون كما يلي:
أولاً: أن الوادي لن يموت نهائياً بسبب السد والزرع العثري-الذي على المطر- لن ينقطع لأنه وإن منع السد سيول بعض الأوية وخاصة الكبار فهناك أودية تصب في رابغ إلى الآن وأقرب مثال هذه السنة 1431هـ فإن سيل وادي رابغ في هذه السنة كان من النويبع والخمص والبحيرة.
ثانياً: أن السد لن يحوي كل الماء فإن وادي مر وادي عظيم وكبير فلو سال مرتين أو ثلاث سيملأ السد ويفيض عنه فلذلك لن ينقطع وصول سيله إلى رابغ نهائياً .
ثالثاً: أن الماء الجوفية ستتوفر بكثرة في رابغ خاصة وإن فتح السد من فترة لأخرى للتخفيف من ضغط الماء أو لتنظيف عبارات السد من الطمي المتراكم عليها .
هذا ما أظنه بالنسبة لأثر السد على وادي رابغ، ولكن الأمر يحتاج إلى بحث أكثر ومعرفة الهدف الحقيقي من السد وخطة تشغيله، ليكون الأمر واضحاً. وعلى كل حال فهو نافع ومفيد -بإذن الله- للمحافظة وأهلها .
وكتبه
سالم بن سليم الغانمي
رئيس اللجنة العلمية بالموقع