بيع التقسيط
المقدمـة
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد:
فإن بيع التقسيط من البيوع التي شاع تداولها في هذا العصر، ويلجأ إليه كثير من الناس لسد حاجاتهم وتأثيث منازلهم وغير ذلك مما لا يمكنهم شراؤه بثمن حال.
وسوف أقوم ببحث هذا الموضوع باختصار من خلال المباحث التالية:
المبحث الأول: تعريف بيع التقسيط.
المبحث الثاني: حكم بيع التقسيط.
المبحث الثالث: حكم الزيادة في الثمن لأجل التأجيل أو التقسيط.
المبحث الرابع: ضوابط وشروط صحة بيع التقسيط.
المبحث الخامس: فوائد بيع التقسيط.
المبحث السادس: الفرق بين بيع التقسيط والتأجير المنتهي بالتمليك .
وسوف أتكلم عن كل مبحث بكلام مختصر أرجو ألا يكون مخلاً بالمقصود، إذ إن تفصيل القول في جزئيات هذا الموضوع يحتاج إلى وقت أطول.
والله الموفق وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
المبحث الأول: تعريف بيع التقسيط
* أولاً: تعريف اللفظتين (بيع وتقسيط)
- الأولى: البيع: وهو لغة: أخذ شيء وإعطاء شيء مأخوذ من الباع؛ لأن كل واحد من المتبايعين يمد باعه للأخذ والإعطاء(1).
واصطلاحا: مبادلة مال - ولو في الذمة- أو منفعة مباحة؛ كممر في دار، بمثل أحدهما على التأبيد غير ربا وقرض(2) .
- الثانية: التقسيط : وهو لغة: تقسيم الشيء وتنجيمه إلى أجزاء متفرقة، والقسط: الحصة والنصيب. وقسَّط الشيء: فرَّقه(3).
* ثانياً: تعريف بيع التقسيط بمعناه اللقبي:
لتعريف بيع التقسيط باعتباره علماً على أحد البيوع تعاريف للفقهاء متقاربة منها:
- بيع الشيء بثمن مؤجل يدفع على أقساط معلومة في أوقات محددة أكثر من ثمن الحال(4).
- التقسيط: تأجيل أداء الدين مفرقاً إلى أوقات معينة (5).
- "البيع بالتقسيط هو نوع من أنواع البيوع الآجلة ، يتفق بموجبه البائع والمشتري على سداد الثمن مجزأ على دفعات"(6)
فبيع التقسيط عبارة حادثة لمعاملة قديمة، فهو ليس إلا لوناً من ألوان بيع النسيئة، إنه بيع يُعجل فيه المبيع ويتأخر الثمن، كله أو بعضه على أقساط معلومة، لآجال معلومة، وهذه الأقساط قد تكون منتظمة المدة، في كل سنة مثلاً قسط، أو غير ذلك، كما تكون متساوية المبلغ أو متزايدة أو متناقصة(7) .
وبيع التقسيط لا يقصد به المبيع وإنما المراد طريقة البيع أو يقال: طريقة سداد ثمن المبيع.
المبحث الثاني: حكم بيع التقسيط
* تمهيد:
البيع له صور متعددة، فقد يكون معجل البدلين، أو مؤجل البدلين، أو أحد بدليه معجلاً والآخر مؤجلاً.
فإذا عُجل الثمن وأجل المبيع فهو السلم، وإن عُجل المبيع وأجل الثمن فهو بيع النسيئة.
وبيع التقسيط – كما سبق – عبارة حادثة لمعاملة قديمة، إذ هو لون من ألوان بيع النسيئة، يُعجل فيه المبيع، ويتأخر الثمن كله أو بعضه، ولا فرق في الحكم الشرعي بين ثمن مؤجل لأجل واحد وثمن مؤجل لآجال متعددة.
* حكم بيع النسيئة:
بيع النسيئة من البيوع الجائزة والصحيحة بالاتفاق في الجملة، أي بإرجاء الكلام عن كيفية تقدير الثمن فيه، هل تمت زيادته بسبب الأجل أم لا؟(8) وهو كما سبق نوع من أنواع البيوع .
- الأدلة على جواز بيع النسيئة:
1) قوله تعالى :( ياأيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه...)(9).
2) عن عائشة رضي الله عنها قالت: " اشترى رسول الله صلى الله عليه وسلم من يهودي طعاماً بنسيئة، فأعطاه درعاً له رهناً"(10) .
3) جاء في الصحيحين قصة بريرة رضي الله عنها حيث اشترت نفسها من أسيادها بتسع أواق في كل عام أوقية(11).
وهذا من بيع التقسيط ولم ينكره النبي صلى الله عليه وسلم بل أقره.
ومما سبق وحيث قررنا أن بيع التقسيط صورة من صور بيع النسيئة وبيع النسيئة جائز؛ لذا فإن بيع التقسيط جائز وفق الشروط والضوابط التي سأذكرها لاحقاً.
المبحث الثالث: حكم الزيادة في الثمن لأجل التأجيل أو التقسيط
اختلف الفقهاء في هذه المسألة على قولين:
القول الأول: جواز الزيادة في الثمن مقابل الأجل، وهو قول جماهير أهل العلم ومنهم المذاهب الأربعة(12)، وقد حُكي الإجماع عليه(13) .
القول الثاني: عدم جواز ذلك. وهذا المذهب مروي عن زين العابدين علي بن الحسين والناصر والمنصور بالله والهادوية والإمام يحيى كما نقل عنهم الشوكاني(14).
ولكن كثيراً من العلماء جعلوا هذا القول شاذا،ً إما لكون من قال بهذا القول ممن لا يعتد بخلافهم، وإما لكونه من المتأخرين الذين سبقوا بالاتفاق على جواز تلك الزيادة(15).
- أدلة القول الأول:
استدلوا بأدلة منها ما يلي:
- الأول: عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أمر بإخراج بني النضير، جاءه ناس منهم ، فقالوا : يا نبي الله ، إنك أمرت بإخراجنا ، ولنا على الناس ديون لم تحلّ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( ضعوا وتعجلوا ))(16) .
"يبدو أن ديون بني النضير على الغير كانت ديونًا مؤجلة، قد زيد فيها للتأجيل، فعليهم إما أن ينتظروا الأجل فيحصلوا على ديونهم كاملة ، أي بـ " قيمتها الاسمية " أو أن يتعجلوا هذه الديون ويحصلوا على " قيمتها الحالية " ، بعد وضع جزء منها بمقدار الحطيطة المساوية لما كان قد زيد في الدين لأجل تأجيله، وضَعْ وتَعَجَّلْ هو نظير زِدْ وَتَأَجَّلْ ، فكلاهما نقصان أو زيادة في مقابل الزمن"(17).
- الثاني: عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أمره أن يجهز جيشاً فنفدت الإبل، فكان يأخذ البعير بالبعيرين إلى إبل الصدقة (18) .
- الثالث: قياساً على السلم، في كون الحاجة إليه ماسة كالحاجة إلى السلم، والزيادة في السلم مثل الزيادة في البيع إلى أجل، سببها فيهما تأخير تسليم المبيع في مسألة السلم، وتأخير تسليم الثمن في مسألة البيع إلى أجل(19).
- الرابع: أن في ذلك تسهيلاً على الناس ورواجاً للسلع مما يؤدي إلى تنشيط الحركة التجارية فيتبادل الناس المنافع ولا ضرر في ذلك، ولا مخالفة لمقصود الشارع بل هو تحصيل للمقصود، فيناسب أصول الشريعة أن يكون ذلك جائزاً(20) .
- دليل القول الثاني:
أنه زيد في الثمن عوضاً عن الأجل وهو الربا أو فيه مشابهة للربا(21) .
ويجاب عن ذلك بما يلي:
1) أن الزيادة في الدين هي زيادة مقابل تأجيل دين ثابت في الذمة، بينما الثمن المؤجل الذي قد زيد فيه مقابل التأجيل لم يكن ديناً ثابتاً في الذمة زيد فيه مقابل التأجيل، وإنما هو ثمن مبيع ثبت في ذمة المشتري مؤجلاً ابتداءً .
2) أن المبيع والثمن في بيع التقسيط غير متفقين في الجنس ولا في العلة، وليس الأمر كذلك بالنسبة للربا.
3) أن الزيادة في الدين مقابل تأجيله قد جاءت مستقلة، بينما الزيادة في الثمن المؤجل قد جاءت تبعاً لبيع السلعة.
4) أن الثمن في البيع المؤجل ثمن واحد لا يزاد فيه لو تأخر المشتري في أدائه، أما الزيادة في الدين فإنها أصلاً مقابل الأجل، وتزداد كلما زاد الأجل أو تأخر أداء الدين.
5) أن الثمن في البيع المؤجل قد جاء كله بزيادته في مقابل السلعة التي كان من الممكن أن يكون ثمناً حالاً لها، أما الزيادة في الدين فإنها مقابل التأجيل خاصة(22) .
ومن خلال ما سبق يتضح التباين بين الزيادة في الثمن لأجل التأجيل في بيع التقسيط، وبين الزيادة في الدين مقابل الزيادة في الأجل.
الترجيح
الراجح هو القول الأول، وقد جاء في قرار مجمع الفقه الإسلامي الدولي ما نصه :" البيع بالتقسيط جائز شرعاً، ولو زاد فيه الثمن المؤجل على المعجل"(23).
لأنه ليس في القرآن ولا في السنة ما يمنع جواز مثل هذا البيع، وتعريف الربا لا ينطبق على هذه الزيادة في الثمن؛ لأنه ليس قرضاً ولا بيعاً للأموال الربوية بمثلها، وإنما هو بيع محض، وللبائع أن يبيع بضاعته بما شاء من ثمن ولا يجب عليه أن يبيعه بسعر السوق دائماً(24).
مسألة: ما الذي يسوّغ الزيادة في الثمن الآجل أو المقسط؟
يسوّغ ذلك أمور منها:
1) الزمن .
2) المخاطرة : والمراد مخاطرة التخلف أو التأخر عن السداد ، أو مخاطرة تقلبات الأسعار، وهي مخاطرة ارتفاع الأسعار بالنسبة للبائع ، وهبوط الأسعار بالنسبة للمشتري.
3) الخدمة (العمل): يُزاد في الثمن المؤجل أو المقسط لأجل الخدمة (خدمة الدين) فالدين يحتاج إلى إثبات في دفاتر التاجر الدائن ومحاسبة ومتابعة ومطالبة وتذكير، واحتمال متابعة الكفيل وغير ذلك .
يتبع
وكتبه
فهد بن أحمد السلامة
1- الروض المربع مع حاشية ابن قاسم 4/325،وانظر: القاموس المحيط مادة بيع ص:911،ومختار الصحاح مادة بيع ص: 62.
2- زاد المستقنع ص: 70، وانظر في شرح التعريف الشرح الممتع 3/107.
3- القاموس المحيط مادة قسط ص: 881، ولسان العرب مادة قسط.
4- حكم البيع بالتقسيط د/ الأمين الحاج ص:11 نقلاً عن بيع التقسيط للبرغش ص: 24.
5- درر الحكام شرح مجلة الأحكام المادة(157) 1/110.
6- المادة الأولى من نظام البيع بالتقسيط السعودي.
7- بيع التقسيط د:رفيق يونس المصري ص: 11.
8- البيع المؤجل، د. عبد الستار أبو غدة ص: 17.
9- سورة البقرة (282) .
10- أخرجه البخاري في البيوع، باب شراء النبي صلى الله عليه وسلم بالنسيئة رقم: ( 2068)، ومسلم في المساقاة رقم: (1603).
11- البخاري في البيوع برقم : (2168)، ومسلم في العتق برقم (1504) .
12- انظر: المبسوط 3/78و125، الموافقات 4/381، بداية المجتهد 2/ 116، المجموع 9/ 338، مغني المحتاج 2/79، المغني 6/ 333 ، فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية 29/499، نيل الأوطار5/ 181.
13- كما نقله الحافظ ابن حجر في فتح الباري 4/203 ، وقال سماحة الشيخ ابن باز رحمه الله: «لا أعلم في هذه المسألة خلافاً يعوَّل عليه؛ بل المعروف في كلام العلماء هو الجواز والإباحة». فتاوى الشيخ عبد العزيز بن باز في كتاب الدعوة «2/188».
14- نيل الأوطار 5/ 181، وقد اختار هذا القول الألباني ، انظر: السلسلة الصحيحة 5/422-427.
15- الزمن في الديون وأحكامه د. سعد الخثلان ص: 9.
16- أخرجه الدار قطني (3/366)، والحاكم في المستدرك (2/61) برقم: 2325 وقال: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه" ولم يوافقه الذهبي، بل ضعفه. وقال في مجمع الزوائد (4/134): "رواه الطبراني في الأوسط وفيه مسلم بن خالد الزنجي وهو ضعيف وقد وثق"، وقال ابن القيم في إغاثة اللهفان (2/13):" هذا الحديث على شرط السنن، وقد ضعفه البيهقي، وإسناده ثقات، وإنما ضُعِّف بمسلم بن خالد، وهو ثقة فقيه، روى عنه الشافعي واحتج به ". وقال في أحكام أهل الذمة (3/187): "وإسناده حسن، ليس فيه إلا مسلم بن خالد الزنجي وحديثه لا ينحط عن رتبة الحسن ".
17- بيع التقسيط للمصري ص: 45
18- أخرجه أحمد 11/164 رقم: (6593)، وأبو داود في كتاب البيوع، باب الرخصة في ذلك 2/457 رقم: (3357)، والدارقطني في السنن (4/35)، والحاكم (2/62)، وقال: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، وقال ابن حجر في الفتح (5/171): إسناده قوي، وصححه أحمد شاكر في تخريجه على المسند (2/171)، رقم: (6593).
19- بيع التقسيط للبرغش ص: 34.
20- انظر: دراسة شرعية لأهم العقود المالية المستحدثة، محمد بن مصطفى الشنقيطي ص: 431، نقلا عن البرغش ص: 34. ولمزيد من الأدلة لهذا القول انظر: بحث"زيادة الثمن للأجل" د.عدلان بن غازي الشمراني، مجلة العدل العدد 18 ص: 22-55 ، حيث ذكر ثمانية وعشرين دليلاً لهذا القول.
21- بحوث في قضايا فقهية معاصرة، محمد تقي العثماني ص: 12، ولمزيد من الأدلة انظر: "زيادة الثمن للأجل" د.عدلان بن غازي الشمراني، مجلة العدل العدد 18 ص: 56-75 ، حيث ذكر عشرة أدلة لهذا القول، وهي في مجملها ترجع لهذا الدليل .
22- الزمن في الديون وأحكامه ص: 11-12 ، وانظر: المعاملات المالية المعاصرة في الفقه الإسلامي د. محمد عثمان شبير ص: 270.
23- العدد السابع: 2/ 217.
24- بحوث في قضايا فقهية معاصرة، محمد تقي العثماني ص: 13.
">