الحديث الثالث عشر
عَنْ أَبِيْ حَمْزَة أَنَسِ بنِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ - خَادِمِ رَسُوْلِ اللهِ صلى الله عليه وسلم عَن النبي صلى الله عليه وسلم قَالَ: (لاَ يُؤمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لأَخِيْهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ) رواه البخاري ومسلم.
الراوي:
أنس بن مالك بن النضر الأنصاري الخزرجي خادم الرسول صلى الله عليه وسلم، خدمه عشر سنين، (ت:92أو93هـ)، وقد جاوز المائة .
المفردات:
(لاَ يُؤمِنُ): أي الإيمان التام الكامل، وإلا فأصل الإيمان يحصل لمن لم يكن بهذه الصفة، فالمقصود أن من جملة خصال الإيمان الواجبة أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه، ويكره له ما يكرهه لنفسه، فإذا أزال ذلك عنه فقد نقص إيمانه بذلك، ونفي الإيمان دال على أن هذا الأمر واجب، ويكون نفي الإيمان هنا نفياً لكماله الواجب.
(مَا يُحِبُّ): أي يحب لأخيه من الطاعات والأشياء المباحات ،كما في رواية النسائي"حتى يحب لأخيه من الخير ما يحب لنفسه".
- وقد رتب النبي صلى الله عليه وسلم دخول الجنة على هذه الخصلة، ففي مسند أحمد رحمه الله عن يزيد بن أَسَد القَسْري قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أتحب الجنة؟) قلت: نعم، قال:(فأحب لأخيك ما تحب لنفسك) حديث حسن.
من فوائد الحديث:
الأولى: أن المؤمن مع المؤمن كالنفس الواحدة، فينبغي أن يحب له ما يحب لنفسه، من حيث إنهما نفس واحدة، كما جاء في الحديث الآخر: (المؤمنون كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر) متفق عليه.
الثانية: المؤمن يسره ما يسر أخاه المؤمن، ويريد لأخيه المؤمن ما يريده لنفسه من الخير، وهذا كله إنما يأتي من كمال سلامة الصدر من الغل والغش والحسد، فإن الحسد يقتضي أن يكره الحاسد أن يفوقه أحد في خير أو يساويه فيه؛ لأنه يحب أن يمتاز على الناس بفضائله، وينفرد بها عنهم، والإيمان يقتضي خلاف ذلك، وهو أن يَشْرَكَه المؤمنون كلهم فيما أعطاه الله من الخير من غير أن ينقص عليه منه شيء.
الثالثة: ينبغي للمؤمن أن يحزن لفوات الفضائل الدينية، ولهذا أُمر أن ينظر في الدين إلى من فوقه، وأن ينافس في طلب ذلك جهده وطاقته؛ كما قال الله تعالى : (وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ)، ولا يكره أن أحداً يشاركه في ذلك، بل يحب للناس كلهم المنافسة فيه، ويحثهم على ذلك وهو من تمام أداء النصيحة للإخوان، وإذا فاقك أحد في فضيلة دينية فاجتهد في لحاقه واحزن على تقصيرك وتخلفك عن اللحاق بالسابقين في الخيرات، لا حسداً لهم على ما آتاهم الله، بل منافسة لهم وغبطة وحزناً على النفس بتقصيرها، وتخلفها عن درجات السابقين .
الرابعة: ينبغي للمؤمن أن يعتبر نفسه مقصرة عن الدرجات العالية، فيستفيد بذلك أمرين:
- الاجتهاد في طلب الفضائل والازدياد منها.
- النظر إلى النفس بعين النقص .
وينشأ من هذا أن يحب للمؤمنين أن يكونوا خيراً منه؛ - وهذه درجة رفيعة أعلى من أن تحب لأخيك ما تحبه لنفسك - لأنه لا يرضى لهم أن يكونوا على مثل حاله، كما أنه لا يرضى لنفسه بما هي عليه بل يجتهد في إصلاحها .
والله الموفق وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
وكتبه
فهد بن أحمد السلامة
المشرف العام على الموقع

|