الحديث الرابع عشر
عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: (لا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلاَّ بإِحْدَى ثَلاثٍ: الثَّيِّبُ الزَّانِيْ، وَالنَّفْسُ بِالنَّفْسِ، وَالتَّاركُ لِدِيْنِهِ المُفَارِقُ للجمَاعَةِ) رواه البخاري ومسلم.
المفردات
قوله: (الثَّيِّبُ) هو:المحصن؛ وهو من وطئ زوجته في قبلها بنكاح صحيح، والمرأة تكون محصنة بذلك، وحده الرجم حتى الموت إجماعاً، فقد رجم النبي صلى الله عليه وسلم ماعزاً، والغامدية.
وكان في القرآن الذي نسخ لفظه: (والشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما ألبتة نكالاً من الله، والله عزيز حكيم).
قوله: (وَالنَّفْسُ بِالنَّفْسِ) معناه: أن المكلف إذا قتل نفساً بغير حق عمداً، ذكراً أو أنثى، فإنه يقتل، وقد دل القرآن على ذلك بقوله: (وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ).
قوله: (وَالتَّاركُ لِدِيْنِهِ المُفَارِقُ للجمَاعَةِ) معناه: الارتداد عن دين المسلمين، ولو أتى بالشهادتين.
وتحصل الردة إما بالقول مثل: سب الله ورسوله، أو بالفعل: كإلقاء المصحف في قاذورة، أو بالاعتقاد مثل: اعتقاد الشريك له تعالى، أو أن الزنى والخمر حلال وغيرها.
من فوائد الحديث
أولا: يستثنى من عموم قوله: (وَالنَّفْسُ بِالنَّفْسِ) صور، منها:
1. أن يَقتل الوالد ولده، فلا يُقتل الوالد بولده على مذهب الجمهور، لقوله عليه السلام: (لا يقاد الوالد بولده)(1).
2. أن يَقتل الحر عبداً، فلا يُقتل الحر بالعبد، عند الأكثرين، وقد أجمعوا على أنه لا قصاص بين العبيد والأحرار في الأطراف.
3. أن يَقتل المسلم كافراً، فلا يُقتل المسلم بالكافر، لقوله صلى الله عليه وسلم: ( لا يقتل مسلم بكافر) . رواه البخاري .
ثانياً: المرتد إذا تاب ورجع إلى الإسلام لا يقتل؛ لأنه ليس بتارك لدينه بعد رجوعه وليس مفارقاً للجماعة.
ثالثاً: قد ورد قتل المسلم بغير إحدى هذه الخصال الثلاث منها:
- اللواط: قال صلى الله عليه وسلم:( اقتلوا الفاعل والمفعول به)(2).
- من أتى ذات محرم ولو كان غير محصن.
- الساحر:( حد الساحر ضربه بالسيف).
- ترك الصلاة.
- إذا صال شخص على أحد من المسلمين وأشهر السلاح عليه مريداً ماله أو دمه، فيتدرج في دفعه ولو بقتله إذا لم يندفع إلا بذلك .
وهناك أمور أخرى ذكرها أهل العلم وفيها خلاف مشهور.
وقد اجتهد ابن رجب فرد هذه الأمور وغيره مما قيل أن فاعلها حلال الدم إلى الثلاث التي في هذا الحديث.
رابعاً: إن إحلال الدم هذا متوجه إلى إمام المسلمين أو نوابه الذين جُعل إليهم إنفاذ الحدود، فلا يجوز لأحد أن يستبيح دم أحد، ولو جُعل هذا لكل أحد لصار في ذلك استباحة عظيمة للدماء، إذ المختلفون كثيراً ما يكفر أحدهم الآخر.
والله الموفق وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
وكتبه
فهد بن أحمد السلامة
المشرف العام على الموقع
(2) أخرجه أصحاب السنن عدا النسائي، وصححه الألباني في الإرواء 8/17، وقد أخذ بهذا الحديث كثير من العلماء كمالك وأحمد وغيرهما، وأنه موجب للحد بكل حال، محصناً كان أو غير محصن.
|