الأدوار التاريخية التي مر بها رابغ والجحفة :
وفيه مطالب:
المطلب الأول نشأتها ومن سكنها من الأمم والقبائل:
ذكر أهل الأخبار إن الجحفة كان اسمها قديماً مهيعة، حتى نزلها بنو عبيل إخوة عاد؛ في الدهر الأول حين أخرجتهم العماليق من يثرب، فعاشوا بها دهرا حتى أتى عليهم- في يوم من أيام الله- سيل عظيم فأهلكهم واجتحفهم، فسميت الحجفة.
وممن سكنها قبيل الإسلام بقايا من اليهود.( انظر النووي شرح مسلم )
ومن المشهور في رابغ أن قبيلة الجعافرة كانوا يقطنون الجحفة، ثم تركوها إلى وادي الفرع، ولعل مما يؤيد ذلك ما نقله ياقوت عن أبي زيد قال: ودان من الجحفة على مرحلة بينها وبين الأبواء على طريق الحاج في غربيها ستة أميال، و بها كان في أيام مقامي بالحجاز رئيس للجعفريين أعني جعفر بن أبي طالب ولهم بالفرع والسائرة ضياع كثيرة وعشيرة ،وبينهم وبين الحسينين حروب ودماء، حتى استولى طائفة من اليمن يعرفون ببني حرب على ضياعهم فصاروا حرباً لهم فضعفوا.( انظر معجم البلدان 5-420)
ومما يذكر – والله أعلم بصحته- في سبب خروج الجعافرة من الجحفة أنهم أحسوا بقرب خراب واديهم ونضوب مائه، فأرادوا النقلة عنه إلى مكان آخر ولم تطب أنفسهم أن يتركوا أموالهم لقبائل حرب، أو أن يبيعوها برخص فاحتالوا حيلة وهي:
(أن يأمر الأب الرئيس ابنه فلا يطيعه ويشتد الكلام ويطول الجدل وفي النهاية يقوم الابن إلى أبيه فيلطمه( وفي رواية يهجم عليه بالرمح) فيغضب الأب ويقسم أن لا يبقى في أض أهين فيه فيعرض أمواله (بساتينه) للبيع فيظن بقية القبائل أنها فرصة فيتسابقون إلى شرائها منافسة لبعضهم وخوفا من رجوعه في قسمه، وهذا ما حصل فلما باع أمواله تبعه قومه متظاهرين بالتعصب لرأيه وانتقلوا إلى وادي الفرع فاشتروا بها أموالاً ولا يزالون بها إلى الآن )
وهذا يشبه قصة خروج عمرو بن عامر بن مزيقيا من اليمن ، وذلك أنه رأى جرذاً يحفر في سد مأرب ، الذي كان يحبس عليه الماء فيصرفونه حيث شاءوا من أرضهم ، فعلم أنه لا بقاء للسد على ذلك ، فاعتزم على النقلة من اليمن فكاد قومه بأن أمر أصغر ولده إذا أغلظ له القول ولطمه، أن يقوم إليه فيلطمه، ففعل ابنه ما أمر به ، فقال عمر: لا أقيم ببلد لطم وجهي فيه أصغر ولدي ، وعرض أمواله للبيع ، فقال أشراف من أشراف اليمن اغتنموا غضبه عمرو فاشتروا منه أمواله وانتقل في ولده وولد ولده وقالت الأزد لا نتخلف عن عمرو بن عامر فباعوا أموالهم وخرجوا معه ............) ( حاشية السيرة النبوية لابن هشام 1-13 )
وأما رابغ فإن سكنت فإنما يسكنها ذلك العصر قبائل كنانة لأنها في متوسط أرضهم ففي قديد بنو مدلج وفي الأبواء بنو ضمرة وبنو ليث.
على أن الراجح فيما يتعلق بسكنى رابغ أنه لم يكن لها – في موضع السكنى- قبل الإسلام أي قيمة تذكر، وإنما ترعى فيه وقت ربيعه واخضراره بعض رعاة القبائل المجاورة لها.
وأما بعد استقرار الحكم الإسلامي في الحجاز ، فقد أصبح لرابغ أهمية كبيرة وخاصة، لكونه طريقاً مسلوكا لقوافل الحجيج المتوجهة إلى الجحفة ، ومن ثم إلى مكة لتأدية مناسك الحج والعمرة.
فبدأ العمران في رابغ شيئا فشيئا ومما ساعد على عمرانه كل المساعدة أمران:
الأول : خراب الجحفة واستبدال الناس رابغاً بدلاً منها فنشطت الحركة التجارية في أيام الموسم لأن الناس قد أصبحوا يحرمون من رابغ بدل الجحفة وقد أفتاهم علماؤهم بذلك في جميع المذاهب الأربعة.
الثاني: تحول السيل عن الجحفة إليها، وحياة أرضها بذلك، فأصبح واديها من أخصب أودية الحجاز ، وذلك لأن السيل يحمل إليه أطيب التربة وأكثرها نفعاً لاحتفاظها بخصوبتها زمناً طويلاً ، من المسافات البعيدة فنشطت الزراعة في وادي رابغ، فغرس أهله النخل، وزرعت الخضروات الموسمية والحبوب وغيرها، فأصبح أهله مكتفين ذاتيا بكل ما يحتاجونه، بل ويصدرون الفائض عن حاجتهم من تمر وحب وأعلاف إلى جدة غالبا ومكة أحياناً، ويشترون ما ينقصهم من رز وبن وثياب ونحوها مما يحتاجونه.
فعاد رابغ مركزاً تجاريا لأكثر القرى المجاورة له فتجلب إليه الأغنام والسمن والعسل و الإقط والفحم ، فإن صادف وقت موسم الحج باع البدو بضائعهم للحجاج مباشرة ، أو عن طريق سمسار (دلال) ، وان كان غير ذلك اشتراها تجار رابغ وانتظروا بها الموسم أو باعوها في جدة وغيرها.
وخلاصة القول أن السبب الرئيس لقيام رابغ هو خراب الجحفة فلم تقم رابغ إلا على تراث الجحفة .
ومما يؤيد هذا: قول الاصخري: وليس بينها (يعني الجحفة) وبين المدينة ومكة منزل يستقل بالعمارة والأهل جميع السنة إلا الجحفة.
وللحديث بقية إن شاء الله .
وكتبه سالم سليم الغانمي
رئيس اللجنة العلمية بالموقع
">